إصلاحات قانونية ضخمة في الإمارات 2026 – قانون المعاملات المدنية وأنظمة حماية الأجور

مقدمة

دخل قانون المعاملات المدنية الجديد (المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025) حيز التنفيذ في الأول من يونيو 2026، ليمثل نقلة نوعية في المنظومة القانونية لدولة الإمارات العربية المتحدة. هذا القانون الشامل يعيد صياغة العديد من المفاهيم القانونية التي ظلت سائدة منذ صدور القانون الأصلي عام 1985، ويستجيب للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولة خلال العقود الأربعة الماضية.

تزامناً مع دخول قانون المعاملات المدنية الجديد حيز التنفيذ، دخلت أيضاً قرارات مهمة أخرى حيز التطبيق، أبرزها قرار وزارة الموارد البشرية والتوطين رقم 340 لسنة 2026 المتعلق بنظام حماية الأجور، وقانون السلامة العامة في دبي رقم (2) لسنة 2026. وتعكس هذه التشريعات رؤية القيادة الإماراتية في بناء منظومة قانونية متطورة تتسم بالمرونة والشفافية والتوافق مع المعايير الدولية.

تخفيض سن الرشد القانوني

أحد أبرز التعديلات التي أدخلها القانون الجديد هو تخفيض سن الرشد القانوني من 21 سنة قمرية إلى 18 سنة ميلادية. وبهذا التعديل، يتم توحيد سن الأهلية القانونية مع سن المسؤولية الجنائية، مما يعكس التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده المجتمعات المعاصرة.

يمنح هذا التعديل الشباب في سن الثامنة عشرة القدرة على إبرام العقود المدنية والتجارية وفتح الحسابات البنكية وإدارة أعمالهم باستقلالية تامة، دون الحاجة إلى إذن ولي الأمر. كما يسهم في دعم ريادة الأعمال بين الشباب الإماراتي والمقيم، ويعزز من مساهمتهم في الاقتصاد الوطني.

تمكين القصر من إدارة أموالهم

أدخل القانون الجديد تعديلاً مبتكراً يتيح للقصر الذين بلغوا 15 سنة ميلادية طلب إذن قضائي لإدارة أموالهم الشخصية أو الموروثة. ويمثل هذا الإجراء خطوة غير مسبوقة في التشريعات المدنية العربية، حيث يعترف القانون بالقدرات المالية والعقلية للمراهقين ويمنحهم فرصة التعلم العملي على إدارة الموارد المالية.

يخضع هذا الإذن لإشراف المحكمة المختصة، التي تقدر مدى نضج القاصر وقدرته على إدارة أمواله، وتضع الضوابط اللازمة لحماية حقوقه. ويعد هذا التوجه دعماً مباشراً لثقافة الاستثمار المبكر بين النشء، ويحفزهم على تطوير مهاراتهم المالية منذ سن مبكرة.

الاتفاق الإطاري وتنظيم العقود طويلة الأجل

استحدث القانون الجديد نظام "الاتفاق الإطاري"، الذي يتيح للأطراف وضع إطار عام للعلاقة التعاقدية ينظم الأسس والمبادئ العامة، بينما تترك التفاصيل التنفيذية لاتفاقات لاحقة. ويفيد هذا النظام بشكل خاص في العقود التجارية المعقدة والشراكات الاستراتيجية التي تمتد لفترات طويلة.

كما نظم القانون مرحلة المفاوضات قبل التعاقدية، وألزم الأطراف بالوفاء بالتزامات حسن النية خلال هذه المرحلة. ويحق للطرف المتضرر من انهيار المفاوضات دون سبب وجيه المطالبة بالتعويض عن الاعتمادات التي أجراها استناداً إلى تلك المفاوضات.

تحديثات عقد البيع وحماية المشتري

تضمن القانون الجديد تحديثات جوهرية في أحكام عقد البيع، منها تنظيم آلية الفحص والمعاينة قبل الشراء، وتوسيع نطاق ضمان العيوب الخفية ليشمل العيوب التي لا يمكن اكتشافها بالفحص العادي. كما أعطى المشتري الحق في فسخ العقد والمطالبة بالتعويض إذا تبين وجود عيب جوهري في المبيع.

وعزز القانون حماية حيازة المشتري بحيث لا يمكن سحب المبيع منه بعد تسلمه إلا بحكم قضائي، باستثناء الحالات التي يتفق فيها الطرفان على خلاف ذلك صراحةً. ويحمي هذا التعديل المستثمرين والمشترين من الممارسات التعسفية ويوفر لهم الاستقرار القانوني.

حماية أموال الأجانب بعد الوفاة

نص القانون الجديد على أن أموال الأجانب الذين يتوفون دون تركة أو ورثة شرعيين تُعتبر وقفاً خيرياً تحت إشراف الجهة المختصة. ويضمن هذا الحكم عدم ضياع الأموال وتوجيهها لصالح الأعمال الخيرية داخل الدولة، في ظل تعدد الجنسيات والثقافات في المجتمع الإماراتي.

الجمع بين الدية والتعويض

أقر القانون الجديد بحق المضرورين في الجمع بين الدية والتعويض عن الضرر المادي والمعنوي في حالات الإصابات والوفيات. ويعالج هذا التعديل إشكالية قانونية قديمة كانت تقتصر على الدية دون التعويض الإضافي، مما يوفر حماية أشمل للحقوق المدنية.

نظام حماية الأجور الجديد

دخل قرار وزارة الموارد البشرية والتوطين رقم 340 لسنة 2026 حيز التنفيذ في الأول من يونيو 2026، مفرضاً موعداً موحداً لصرف الرواتب في القطاع الخاص. بموجب هذا القرار، أصبح اليوم الأول من كل شهر ميلادي موعداً لاستحقاق الأجور عن الشهر السابق، مع إلغاء فترة السماح البالغة 15 يوماً التي كانت سارية سابقاً.

وضعت الوزارة آلية رقابية متدرجة للتعامل مع حالات التأخر في السداد:

  • اليوم الثاني من التأخر: إرسال إشعار إلكتروني للمنشأة
  • اليوم الخامس: تعليق إصدار تصاريح العمل الجديدة
  • اليوم الحادي عشر: فرض غرامات إدارية
  • اليوم السادس عشر: تسجيل نزاع عمالي تلقائياً
  • اليوم الحادي والعشرون: إمكانية فرض حظر سفر وإحالة القضية للنيابة العامة

وتعتبر المنشأة ملتزمة إذا صرفت 85% على الأقل من إجمالي الأجور عبر القنوات المصرفية المعتمدة.

قانون السلامة العامة في دبي

دخل قانون دبي رقم (2) لسنة 2026 بشأن السلامة العامة حيز التنفيذ في الأول من يونيو 2026، ليعزز معايير السلامة في المرافق والمنشآت العامة. ويخول القانون بلدية دبي (ممثلة بمؤسسة البيئة والصحة والسلامة) صلاحيات واسعة في الرقابة والتفتيش، مع إلزام أصحاب المنشآت بتطبيق معايير السلامة المحددة.

الفوترة الإلكترونية والإصلاحات الضريبية

تضمنت الإصلاحات القانونية لعام 2026 إلزام الشركات بنظام الفوترة الإلكترونية اعتباراً من يوليو 2026، بهدف تعزيز التحول الرقمي والشفافية المالية. كما منحت الهيئة الاتحادية للضرائب صلاحيات تدقيق موسعة تشمل فحص السجول الضريبية لمدة تصل إلى 15 عاماً في حالات الاشتباه بالتهرب الضريبي.

أيضاً، تم تحديد مدة خمس سنوات لتقديم طلبات استرداد ضريبة القيمة المضافة أو المطالبة بالائتمان الضريبي، بحيث تسقط المطالبات المقدمة بعد هذه المدة.

قانون السلامة الرقمية للأطفال

دخل المرسوم بقانون اتحادي رقم 26 لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للأطفال حيز التنفيذ في يناير 2026. ويُلزم القانون منصات المحتوى الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الألعاب الإلكترونية بتطبيق إجراءات التحقق من العمر وتنظيم المحتوى المقدم للأطفال دون 18 عاماً.

كما يحظر القانون استهداف الأطفال دون 13 عاماً بالإعلانات التجارية وجمع بياناتهم الشخصية، ويخضع المخالفون لعقوبات مشددة. ومنح القانون هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية صلاحيات الإشراف على التنفيذ، مع منح الشركات مهلة سنة كاملة للامتثال قبل بدء تطبيق العقوبات الكاملة في 2027.

تعديلات قانون الشركات التجارية

شهد قانون الشركات التجارية تعديلات مهمة دخلت حيز التنفيذ في يناير 2026، منها السماح بهياكل أسهم متعددة الفئات وإنشاء شركات الأشخاص الواحد. كما أقر القانون الاعتراف الرسمي بالشركات غير الربحية والشركات المهنية، مع اشتراط إعادة استثمار الأرباح الزائدة بدلاً من توزيعها.

ووفرت التعديلات قواعد أوضح للتحويل بين المناطق الحرة والبر الرئيسي، ودمج فروع المناطق الحرة العاملة في البر الرئيسي تحت مظلة قانون الشركات التجارية. كما استحدثت أحكاماً قانونية لحقوق المساهمين في عمليات البيع الإجباري والطوعي للأسهم، مقتربة من المعايير القانونية العاملة في النظم القانونية المشتركة.

خاتمة

تمثل الإصلاحات القانونية لعام 2026 خطوة نوعية في مسيرة التطور القانوني لدولة الإمارات العربية المتحدة. إن هذه التشريعات المتكاملة تعكس رؤية استباقية للقيادة الإماراتية في بناء منظومة قانونية عصرية تدعم التنمية المستدامة وتجذب الاستثمارات وتحقق العدالة للجميع.

يؤكد مكتب عمر حميد الشامسي للمحاماة والاستشارات القانونية جاهزيته التامة لمساعدة الأفراد والشركات في فهم هذه التشريعات الجديدة وآثارها القانونية والعملية. فريقنا المتخصص على استعداد لتقديم الاستشارات القانونية والتمثيل أمام الجهات المختصة لضمان الامتثال الكامل مع القوانين الجديدة.